عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
311
مرآة الجنان وعبرة اليقظان
ماشيات ودخلن على الشريف أبي جعفر في مكاتبة القائد بإعادة الأمان . فكتب إليه يهنئه بالفتح ، ويسأله إعادة الأمان ، فعاد الجواب بأمانهم ، ثم ورد رسوله إلى جعفر بأن يجتمع به مع جماعة من الأشراف والعلماء ووجوه البلد ، فاجتمعوا به في الجيزة ، ونادى مناد : ينزل الناس كلهم ، إلا الوزير والشريف . فنزلوا وسلموا عليه واحداً بعد واحد ، والوزير عن شماله ، والشريف عن يمينه ، ولما فرغوا من السلام ابتدؤوا بدخول البلد ، فدخلوا وقت زوال الشمس ، وعليهم السلام والعدد ، ودخل جوهر بعد العصر ، وخيوله وجنوده بين يديه ، وعليه ثوب ديباج ، وتحته فرس أصفر ، ونزل في موضع القاهرة اليوم ، واختط موضع القاهرة ، ولما أصبح المصريون حضروا عند القائد للتهنئة ، فوجدوه قد حفر أساس القصر في الليل ، وكان فيه دورات جاءت غير معتدلة لم تعجبه ، ثم قال : حفرت في ساعة سعيدة لا أغيرها . وأقام عسكره يدخل البلد سبعة أيام ، وبادر جوهر بالكتاب إلى مولاه يبشره بالفتح ، وأنفذ إليه رؤوس القتلى في الوقعة ، وقطع خطبة بني العباس عن منابر الديار المصرية ، وكذلك أسمهم على السكة ، وجعل ذلك كله باسم مولاه المعز ، وزال الشعار الأسود ، وألبس الخطباء الثياب البيض ، وفي يوم الجمعة أمر جوهر بزيادة عقب الخطبة : اللهم صل على محمد المصطفى ، وعلى علي المرتضى ، وعلى فاطمة البتول ، وعلى الحسن والحسين سبطي الرسول اللذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً ، اللهم صل على الأئمة الطاهرين آباء أمير المؤمنين . وعاد في الجمعة الأخرى وأذن بحي على خير العمل . ودعا الخطيب على المنبر للقائد جوهر ، فأنكر جوهر عليه وقال : ليس هذا رسم موالينا . وشرع في عمارة الجامع بالقاهرة . قال ابن خلكان : وأظن هذا الجامع هو المعروف بجامع الأزهر ، فإن الجامع الآخر بالقاهرة مشهور بجامع الحاكم . وأقام جوهر مستقلاً بتدبير مملكة مصر قبل وصول مولاه المعز إليها أربع سنين وعشرين يوماً . ولما وصل المعز إلى القاهرة خرج جوهر من القصر إلى القائد ، ولم يخرج معه شيء إليه سوى ما كان عليه من الثياب ، ثم لم يعد إليه ، ونزل في داره بالقاهرة ، وسيأتي أيضاً طرف من خبره وخبر سيده المعز في ترجمته إن شاء الله تعالى . وكان ولده الحسين قائد القواد للحاكم صاحب مصر ، وكان قد خاف على نفسه من الحاكم وولده وصهره القاضي عبد العزيز زوج أخته ، فأرسل الحاكم من برهم وطيب قلوبهم ، وآنسهم مدة مديدة ، ثم حضروا للخدمة ، فتقدم الحاكم إلى سيف النقمة وأشد ، فاستصحب عشرة من الغلمان الأتراك ، وقتلوا الحسين وصهره القاضي ، وأحضروا رأسيهما بين يدي الحاكم " في القيامة يكون التحاكم " .